فخر الدين الرازي
111
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لذلك الشيء لقوله تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ * [ البقرة : 24 ] وفي : ذاتِ الْوَقُودِ تعظيم أمر ما كان في ذلك الأخدود من الحطب الكثير . المسألة الثانية : قال أبو علي : هذا بدل الاشتمال كقولك : سلب زيد ثوبه فإن الأخدود مشتمل على النار . المسألة الثالثة : قرئ الوقود بالضم ، أما قوله تعالى : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : العامل في إذ قتل والمعنى لعنوا في ذلك الوقت الذي هم فيه قعود عند الأخدود يعذبون المؤمنين . المسألة الثانية : في الآية إشكال وهو أن قوله : هُمْ ضمير عائد إلى أصحاب الأخدود ، لأن ذلك أقرب المذكورات والضمير في قوله : عَلَيْها عائد إلى النار فهذا يقتضي أن أصحاب الأخدود كانوا قاعدين على النار ، ومعلوم أنه لم يكن الأمر كذلك والجواب : من وجوه أحدها : أن الضمير في هم عائد إلى أصحاب الأخدود ، لكن المراد هاهنا من أصحاب الأخدود المقتولون لا القاتلون / فيكون المعنى إذ المؤمنين قعود على النار يحترقون مطرحون على النار وثانيها : أن يجعل الضمير في عَلَيْها عائد إلى طرف النار وشفيرها والمواضع التي يمكن الجلوس فيها ، ولفظ ، على مشعر بذلك تقول مررت عليها تريد مستعليا بمكان يقرب منه ، فالقائلون كانوا جالسين فيها وكانوا يعرضون المؤمنين على النار ، فمن كان يترك دينه تركوه ومن كان يصبر على دينه ألقوه في النار وثالثها : هب أنا سلمنا أن الضمير في هم عائد إلى أصحاب الأخدود بمعنى القاتلين ، والضمير في عليها عائد إلى النار ، فلم لا يجوز أن يقال : إن أولئك القاتلين كانوا قاعدين على النار ، فإنا بينا أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار ارتفعت النار إليهم فهلكوا بنفس ما فعلوه بأيديهم لأجل إهلاك غيرهم ، فكانت الآية دالة على أنهم في تلك الحالة كانوا ملعونين أيضا ، ويكون المعنى أنهم خسروا الدنيا والآخرة ورابعها : أن تكون على بمعنى عند ، كما قيل في قوله : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ [ الشعراء : 14 ] أي عندي . أما قوله تعالى : وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ فاعلم أن قوله : شُهُودٌ يحتمل أن يكون المراد منه حضور ، ويحتمل أن يكون المراد منه الشهود الذين تثبت الدعوى بشهادتهم ، أما على الوجه الأول ، فالمعنى إن أولئك الجبابرة القاتلين كانوا حاضرين عند ذلك العمل يشاهدون ذلك فيكون الغرض من ذكر ذلك أحد أمور ثلاثة : إما وصفهم بقسوة القلب إذ كانوا عند التعذيب بالنار حاضرين مشاهدين له ، وأما وصفهم بالجد في تقرير كفرهم وباطلهم حيث حضروا في تلك المواطن المنفرة والأفعال الموحشة ، وأما وصف أولئك المؤمنين المقتولين بالجد دينهم والإصرار على حقهم ، فإن الكفار إنما حضروا في ذلك الموضع طمعا في أن هؤلاء المؤمنين إذا نظروا إليهم هابوا حضورهم واحتشموا من مخالفتهم ، ثم إن أولئك المؤمنين لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين على دينهم الحق ، فإن قلت المراد من الشهود إن كان هذا المعنى ، فكان يجب أن يقال : وهم لما يفعلون شهود ولا يقال : وهم على ما يفعلون شهود ؟ قلنا : إنما ذكر لفظة على بمعنى أنهم على قبح فعلهم بهؤلاء المؤمنين ، وهو إحراقهم بالنار كانوا حاضرين مشاهدين لتلك الأفعال القبيحة . أما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الشهود الشهادة التي تثبت الدعوى بها ففيه وجوه أحدها : أنهم جعلوا شهودا يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به ، وفوض إليه من التعذيب